أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
154
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : أن اللام للتعليل ، وهذا الذي ينبغي ألّا يحاد عنه وهي متعلقة ب « لَتُؤْمِنُنَّ » ، و « ما » حينئذ مصدرية ، قال الزمخشري : « ومعناه لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ، ثم لمجيء رسول مصدّق لتؤمننّ به ، على أنّ « ما » مصدرية ، والفعلان معها أعني : « آتيناكم » « 1 » و « جاءَكُمْ » في معنى المصدرين ، واللام داخلة للتعليل ، والمعنى : أخذ اللّه ميثاقهم لتؤمننّ بالرسول ولتنصرنّه لأجل أن آتيتكم الحكمة ، وأنّ الرسول الذي أمركم بالإيمان ونصرته موافق لكم غير مخالف . قال الشيخ « 2 » : « ظاهر هذا التعليل الذي ذكره والتقدير الذي قدره أنه تعليل للفعل المقسم عليه ، فإن عنى هذا الظاهر فهو مخالف لظاهر الآية ، لأنّ ظاهر الآية يقتضي أن يكون تعليلا لأخذ الميثاق لا لمتعلّقه وهو الإيمان ، فاللام متعلقة بأخذ ، وعلى ظاهر تقدير الزمخشري تكون متعلقة بقوله : « لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ » ، ويمتنع ذلك من حيث إنّ اللام المتلقّى بها القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، تقول : واللّه لأضربنّ زيدا ، ولا يجوز : واللّه زيدا لأضربنّ ، فعلى هذا لا يجوز أن تتعلق اللام في « لما » بقوله : « لَتُؤْمِنُنَّ » . وقد أجاز بعض النحويين في معمول الجواب - إذا كان ظرفا أو مجرورا - تقدّمه ، وجعل من ذلك : 1356 - . . . * . . . عوض لا نتفرّق « 3 » وقوله تعالى : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ « 4 » فعلى هذا يحوز أن تتعلق بقوله : « لَتُؤْمِنُنَّ » وفي هذه المسألة تفصيل يذكر في علم النحو ، قلت : أمّا تعلّق اللام بلتؤمننّ من حيث المعنى فإنّه أظهر من تعلّقها بأخذ ، وهو واضح فلم يبق إلّا ما ذكر من منع تقديم معمول الجواب المقترن باللام عليه وقد عرف ، وقد يكون الزمخشري ممّن يرى جوازه . والثالث : أن تتعلّق اللام بأخذ أي : لأجل إيتائي إياكم كيت وكيت أخذت عليكم الميثاق ، وفي الكلام حذف مضاف تقديره : لرعاية ما آتيتكم . الرابع : أن تتعلّق بالميثاق لأنه مصدر ، أي توثّقنا عليهم لذلك . هذه الأوجه بالنسبة إلى اللام ، وأمّا « ما » ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون مصدرية وقد تقدّم تحريره عند الزمخشري . والثاني : أنها موصولة بمعنى الذي وعائدها محذوف و « ثُمَّ جاءَكُمْ » عطف على الصلة ، والرابط لها بالموصول : إمّا محذوف تقديره : « به » وهو رأي سيبويه « 5 » ، وإمّا لقيام الظاهر مقام المضمر وهو رأي الأخفش ، وأمّا ضمير الاستقرار الذي تضمّنه « مَعَكُمْ » وقد تقدّم تحقيق ذلك . والثالث : أنها نكرة موصوفة ، والجملة بعدها صفتها وعائدها محذوف ، و « ثُمَّ جاءَكُمْ » عطف على الصفة ، والكلام في الرابط كما تقدّم فيها وهي صلة ، إلّا أنّ إقامة الظاهر مقام الضمير في الصفة ممتنع ، لو قلت : « مررت برجل
--> ( 1 ) هي قراءة نافع . ( 2 ) انظر البحر المحيط 2 / 512 . ( 3 ) جزء بيت للأعشى وهو بتمامه : رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّق انظر ديوانه ( 225 ) ، الخصائص 1 / 265 ، ابن يعيش 4 / 107 ، الهمع 1 / 213 ، الانصاف ( 401 ) ، الخزانة 3 / 209 . ( 4 ) سورة المؤمنون ، آية ( 40 ) . ( 5 ) انظر الكتاب 1 / 455 .